فصل: مسألة السفيه الذي يموت أبوه ولا يوصي به إلى أحد فيبيع متاعه أو يتلفه:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة ليس للغرماء أن ينتزعوا مال المدبر:

قال يحيى: قلت له: فإن تصدق رجل على رجل مفلس بدنانير يؤديها في دينه فلم يقبل وقال الغرماء: نحن نقبل ذلك عليك فلا ينبغي لك أن تضر بنا في ترك ما تصدق به عليك.
قال: لا يجبر على أخذ الصدقة؛ لأنه يقول: لا ألزم نفسي مذمة ولا أوجب علي منة وسيرزقني الله فأؤدي إن شاء الله.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة قد أغنى ابن القاسم عن القول فيها بنصه على العلة فيها.
ولو قبض الهبة على أنه بالخيار في قبولها وردها فأراد ردها، وقال الغرماء: نحن نقبلها- لتخرج ذلك على قولين: أحدهما: أن ذلك للغرماء وهو الذي يأتي على ما في رسم أخذ يشرب خمرا من سماع ابن القاسم من كتاب الحبس، والثاني: أن ذلك ليس لهم وهو الذي يأتي على ما في كتاب التفليس من المدونة في أنه ليس للغرماء أن ينتزعوا مال المدبر، فتدبر ذلك، والمسألة متكررة في هذا الرسم من هذا السماع من كتاب الهبات والصدقات، وبالله التوفيق.

.مسألة يقر بوطء أمة رجل ويدعي أنه اشتراها منه وينكرسيدها أن يكون باعها منه:

وسئل يحيى عن الرجل يقول للرجل إن لي عليك مائتي دينار وقد قضيتني منها مائة فاقضني المائة الباقية، فقال الرجل: ما لك علي شيء ولا كان لك عندي شيء قط، ولكنك مقر بأنك قبضت مني مائة دينار، فأثبت أنها كانت لك علي من دين، وإلا فارددها علي. أفترى يرد عليه إذا لم يثبت أنها كانت له دينا عليه؟ أم لا ترى ذلك عليه؟
قال: يقال لهذا المقر له: بأي شيء دفعت إليه ما قال إنه قبضه منك؟
فإن قال: دفعت إليه وديعة وما كان له عندي شيء قط حلف على قوله بالله أنه دفعها إليه وديعة أو سلفا إن ادعاه، ثم يبرأ من الذي ادعاه عليه بعد أن يحلف ما كان له عليه شيء قط ويأخذ المائة.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة جارية على أصل اختلف فيه قول ابن القاسم في غير ما مسألة، من ذلك قوله في الرجل يقر بوطء أمة رجل ويدعي أنه اشتراها منه وينكر سيدها أن يكون باعها منه، فالمشهور من قول ابن القاسم في المدونة وغيرها أنه يحد إن لم يقم بينة على الشراء، وروى عيسى عنه في رسم استأذن من سماع عيسى من كتاب الأقضية أنه يدرأ عنه الحد بالشبهة، وهو الذي يأتي على قول أشهب أنه لا يؤخذ أحد بأكثر مما أقر به على نفسه، وهو لم يقر بزنا وإنما أقر بوطء من يحل له على زعمه.
فجواب يحيى بن يحيى في هذه المسألة على المشهور من مذهب ابن القاسم؛ لأن مدعي المائتين يقر أنه قبض من المدعى عليه مائة ويدعي أنه قبضها من حق واجب له، فعليه أن يقيم البينة على ذلك، فإن عجز عن إقامة البينة حلف المدعى عليه أنه ما له عليه حق وأخذ منه المائة التي أقر أنه قبضها منه.
قال في الرواية بعد يمينه على ما يدعي من أنه دفعها إليه وديعة أو سلفا، واعترض ذلك ابن دحون، فقال: لا يلزمه أن يحلف أنها وديعة أو سلف؛ لأن القابض قد أقر بالقبض وادعى أنه قبضها من دين له فليس على البائع أكثر من اليمين أنه ليس له عليه شيء، وليس باعتراض بين؛ لأنه لم يقر أنه قبض المائة إلا من حق واجب له، فإذا لم يصدق في ذلك وكان مدعيا فيه وجب أن يكون القول قول المدعى عليه إنه دفعها إليه وديعة أو سلفا.
ويأتي في هذه المسألة على قول ابن القاسم الثاني وعلى قول أشهب وأصله في أنه لا يؤخذ أحد بأكثر مما يقر به على نفسه أن يحلفا جميعا ولا يكون على واحد منهما شيء، يحلف المدعى عليه المائتين أنه ما له عليه حق، ويحلف المدعي أنه ما قبض المائة التي أقر بقبضها إلا من المائتين التي كانت له عليه على ما زعم.
ولو أقر أنه قبض منه مائة ولم يبين فلما طلبها منه وادعى أنه أسلفه إياها أو أودعه إياها قال: إنما قبضتها من مائتين كانت لي عليه دينا لم يصدق في ذلك على أصولهم قولا واحدا، وبالله التوفيق.

.مسألة باع متاعا فأفلس الذي ابتاعه ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئا:

ومن سماع سحنون وسؤاله ابن القاسم وأشهب قال سحنون: سألت أشهب عن قوم اكتروا من جمال ودفعوا إليه دنانيرهم ثم أفلس الجمال قبل أن يركبوا ثم أدرك رجل منهم دنانيره في يده بعينها يشهد له عليها هل يكون أحق بها؟
قال: لا، وليس هذا مثل السلع.
قلت: فإن كانوا قد أخذوا عليه حميلا ثم دفع القوم إلى الجمال إلا رجلا منهم واحدا دفع إلى الحميل، ثم فلس والمال في يد الحميل، لمن هو؟
قال: إن كان الجمال لم يأمر الدافع بالدفع إلى الحميل بالمال فإن الدافع لا يدخل عليه أصحابه، وإن كان الجمال أمر الدافع بالدفع فالمال الذي بيد الحميل للغرماءكلهم.
قال محمد بن رشد: قول أشهب هذا إن المكتري إذا فلس المكري لا يكون أحق بدنانيره وإن أدركها قائمة بيد المكري يشهد له أنها دنانيره بعينها، هو مثل قوله في كتاب المأذون له بالتجارة من المدونة خلاف مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك وعامة أصحاب مالك في أن الرجل أحق بالعين والعرض في الفلس كان العين والعرض من بيع أو قرض، وخلاف ما ذهب إليه ابن المواز من أنه أحق بالعين والعرض إذا كانا جميعا من بيع، وأسوة الغرماء فيهما جميعا إذا كانا من قرض.
والاختلاف الحاصل بين ابن القاسم وأشهب في العين هل يكون صاحبه أحق به من الغرماء في الفلس جار على اختلافهم في العين هل يتعين أم لا، والصحيح قول ابن القاسم وروايته عن مالك أنه أحق في الفلس بالعرض والعين كانا من بيع أو قرض، بدليل قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أيما رجل أفلس فأدرك رجل ماله بعينه فهو أحق به من غيره»؛ لأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عم بقوله «فأدرك رجل ماله»، إذ لم يخص فيه عينا من عرض ولا قرضا ولا بيعا.
ووجه ما ذهب إليه ابن المواز: قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أيما رجل باع متاعا فأفلس الذي ابتاعه ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئا فهو أحق به من غيره» الحديث؛ لأنه جعل هذا الحديث مخصصا لعموم الحديث الأول ومبينا له في أن المراد به البيع دون القرض، وهو بعيد؛ لأن الخاص لا يحمل على التخصيص للعام إلا إذا كان معارضا له.
ووجه قول أشهب أن العين لا يتعين، وهو أبعد الثلاثة الأقوال.
وأما تفرقته بين أن يدفع المكتري الدنانير إلى الحميل بأمر الجمال أو بغير أمره، فهي صحيحة على أصله في أن العين لا يتعين؛ لأن قبض الحميل بأمر الجمال كقبض الجمال؛ إذ هو وكيل له فصارت يده كيده..
وإذا دفع إليه بغير أمره فليس بوكيل له، وإنما هو وكيل للدافع، فوجب أن تكون يده كيده وأن يكون أحق بما في يده كالرهن في الموت والفلس قولا واحدا، وبالله التوفيق.

.مسألة المتكاري أولى بالإبل:

وسئل ابن القاسم: عن الرجل يكتري كراء مضمونا إلى مكة ذاهبا وراجعا فإذا أتى مكة نزل عن بعض الإبل التي كانت تحته وأخذ في حجه وخرجت الإبل إلى الرعي ثم فلس الجمال، هل يكون أولى بها أم تراها إذا خرجت إلى الرعي خروجا من يده فيكون أسوة الغرماء؟ قال: المتكاري أولى بالإبل.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد غمزها محمد بن المواز، وقال: إنما يجب أن يكونوا أولى بالإبل إذا كان الكراء في معين، وقد أجرى أصحاب مالك المعين والمضمون على حكم واحد أنه أولى بما تحته. وقد علم أن الجمال يقبض جماله في كل ليلة ويرعاها ويتصرف فيها.
والذي ذهب إليه محمد بن المواز من التفرقة في هذا المعنى بين الكراء المضمون والمعين وهو ظاهر قول غير ابن القاسم في كتاب الرواحل والدواب من المدونة ليس الراحلة بعينها مثل المضمون، وقد مضى الكلام على هذا المعنى مستوفى في آخر سماع ابن القاسم من كتاب الرواحل والدواب، فلا معنى لإعادته، ومضى في رسم القبائل من سماع ابن القاسم من هذا الكتاب الكلام على طرف منه.

.مسألة أقر بدين من غير قرض وادعى قضاءه:

وقال في الرجل، يقول: كان لفلان علي دينار فتقاضاه مني أسوأ التقاضي فلا جزي خيرا، فيقول المقر له: ما تقاضيت شيئا.
قال: أرى الدين على المقر، وليس هو بمنزلة الذي يقر على وجه الشكر.
قال محمد بن رشد: قوله في هذه المسألة: وليس هو بمنزلة الذي يقر على وجه الشكر، يريد: أنه ليس بمنزلة الذي يقر بالسلف على وجه الشكر ويدعي القضاء.
وقد مضى في رسم يوصي من سماع عيسى الفرق بين الذي يقر بالسلف على وجه الشكر ويدعي القضاء وبين الذي يقر بالاقتضاء على وجه الشكر ويدعي أنه اقتضى حقا كان له.
ولو أقر بدين من غير قرض وادعى قضاءه لم يصدق، وروى ذلك ابن أبي أويس عن مالك، قال: قال مالك، في الرجل يقول: كان لفلان علي ألف دينار فقضيته، قال مالك: هو لها ضامن حتى يأتي بالبينة أنه قد قضاه إياها، وسواء عندي كان إقراره بذلك على شكر أو على غير شكر، إذ ليس بموضع شكر على ما مضى القول فيه في رسم يوصي من سماع عيسى، وبالله التوفيق.

.مسألة الصحة تدفع التهمة:

وقال في الرجل يقر في مرضه لبعض من يتهم عليه بدين من وارث أو غيره ممن لو مات لم يكن له، فأوصى بذلك ثم صح بعد ذلك صحة بينة ثم مرض فمات، فذلك الدين ثابت عليه يؤخذ من رأس ماله ويحاص به الغرماء المعروفين الذين لهم البينات.
قال الإمام القاضي: هذا كما قال: إن ذلك يكون من رأس ماله؛ لأن الصحة تدفع التهمة، فسواء أقر له وهو صحيح أو أقر له وهو مريض ثم صح.
وقوله: إنه يحاص به الغرماء المعروفين الذين لهم البينات، معناه: إذا كان الدين الذي للأجنبيين محدثا بعد الإقرار، وبالله التوفيق.

.مسألة السفيه الذي يموت أبوه ولا يوصي به إلى أحد فيبيع متاعه أو يتلفه:

وسئل: عن السفيه الذي يموت أبوه ولا يوصي به إلى أحد أو مات وصي أبيه ولم يوص به إلى غيره، فيبيع متاعه أو يتلفه ولا ولي له بأمر السلطان ولا وصي له فيليان ماله، أترى ما باع من ماله جائزا لمن اشتراه منه؟
قال ابن القاسم: إذا كان معروفا بالسفه وهو يعرف بالتبذير فباع شيئا لم يجز اشتراؤه لمن اشتراه ورأيته مفسوخا وإن طال زمانه ولا أرى أن يعدى عليه برأس ماله ولا غيره، وهو كمن هو في الولاية؛ لأن حاله مسخوطة فلا أرى أن يجوز من أمره شيء، وذلك رأي من أرضى من أهل العلم والذي آخذ به.
قلت له: إن قوما زعموا أن كل ما باع أو بذر من ماله وهو لا وصي له ولا ولي بأمر القاضي يرد ذلك عليه أنه جائز، قال: لا أرى ذلك له ولم أسمعه ممن أرتضيه، وهذا مما لا ينبغي له أن يقوله ولا يجوزه، وأرى أن يفسخ عنه كل ما باع أو بذر إذا كان حاله على ما أخبرتك.
قيل: فإن كان ممن لا يعرف بالتبذير ولا بالخير ولا بالشر إلا أنه يشرب الخمر وهو في ذلك ربما أحسن النظر في ماله، أترى أن بيعه جائز؟
قال: لا أرى مثل هذا جائز الأمر إذا وقع لعله لا يرد فعله إذا لم يكن مولى عليه، وقد يموت الرجل فجأة ولا يوصي ويموت وصيه ولا يوصى به، فإن السلطان وصي من لا وصي له، وقد يغفل القاضي ولا يولي عليه، فلا يجوز لذلك بيع السفيه، ولا يجوز بيعه إذا كانت حاله حالا يسخطه، وقد قال الله تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النساء: 6]، فأرى أن يرد كل ما بذر من ماله ولا يعدى عليه في شيء؛ لأنه ممن وجبت عليه الولاية، إلا أن يجد الرجل ماله بعينه فيكون أحق به منه، وليس يخرجه من حال السفه وإن لم يكن له ولي إلا حال الرشد والصلاح؛ لأنه ممن وجب عليه الولاية فلا أرى بيعه جائزا.
قال الإمام القاضي: هذه مسألة قد تقدمت والقول فيها مستوفى في رسم جاع من سماع عيسى، ومضت أيضا في نوازله فلا معنى لإعادة القول في ذلك.

.مسألة البكر أفعالها لا تجوز حتى تدخل بيتها ويرضى حالها:

قلت له في البكر تأخذ مبلغها الذي يجوز لها القضاء فيه في مالها، أرأيت إذا بلغت ثلاثين سنة أتراها جائزة الأمر في مالها؟
فقال: لا أراها جائزة القضاء في مالها وإن تزوجت وإن مات عنها أبوها وإن بلغت ما ذكرت حتى تدخل بيتها ويرضى حالها، كذلك قال لي مالك.
قلت: فابنة الخمسين والستين وقد وقفت عن الأزواج أتراها بمنزلة التي ذكرت؟
قال ابن القاسم: إذا عنست كما ذكرت وكان لا بأس بنظرها جاز قضاؤها في مالها، وإن كانت على غير ذلك لم يجز ذلك.
قال محمد بن رشد: ساوى في هذه الرواية في البكر بين أن تكون ذات أب أو وصي أو يتيمة مهملة في أن أفعالها لا تجوز حتى تدخل بيتها ويرضى حالها، يريد: بأن يشهد العدول على صلاح أمرها، فأفعالهما جميعا على هذه الرواية قبل أن يتزوجهما ويدخل بهما زوجهما ما لم تعنسا مردودة وإن علم رشدهما ما لم يحكم لهما به.
وبعد أن تعنسا ببلوغ الخمسين سنة أو الستين سنة أو تتزوجا ويدخل بهما زوجهما مردودة إلا أن يعلم رشدهما وإن لم يحكم لهما به، هذا الظاهر من قول ابن القاسم في هذه الرواية؛ لأنه قال فيها: إنها إذا عنست وكان لا بأس بنظرها جاز قضاؤها في مالها.
فالظاهر من قوله أنه لم يجز قضاؤها في مالها بعد التعنيس إلا أن يعلم حسن نظرها، فهما جميعا على هذه الرواية بدخول أزواجهما بهما أو بتعنيسهما قبله ببلوغ الخمسين سنة أو الستين محمولتان على السفه ما لم يعلم رشدهما، وفيما قبل ذلك لا تجوز أفعالهما وإن علم رشدهما ما لم يحكم السلطان لهما بالرشد أو يرشدهما الأب إن كانت ذات أب.
وقد تئول على ابن القاسم في هذه الرواية أنها إذا عنست وهي بكر كانت محمولة على الرشد وجازت أفعالها إلا أن يعلم سفهها، وهو خلاف ما بيناه من ظاهرها.
وقد اختلف في هاتين المسألتين اختلافا كثيرا، فقيل في ذات الأب: إنها تخرج بالحيض من ولاية أبيها، وقيل: إنها لا تخرج به من ولايته حتى تتزوج ويدخل بها زوجها ويمر بها بعد دخول زوجها بها العام ونحوه، وقيل: حتى يمر بها بعده العامان، وقيل: حتى يمر بها بعده سبعة أعوام، وقيل: إنها لا تخرج من ولايته وإن طالت إقامتها مع زوجها حتى يشهد العدول على صلاح حالها، وقيل: إنها تخرج من ولايته إذا عنست وإن لم يدخل بها زوجها.
واختلف في حد تعنيسها فقيل: أربعون عاما، وقيل: من الخمسين إلى الستين، وقيل: إن أفعالها جائزة بعد البلوغ، وقيل: إنها لا تجوز حتى تتزوج ويدخل بها زوجها ويمر بها بعد دخوله بها العام ونحوه، وقيل: العامين ونحوهما، وقيل: الثلاثة الأعوام ونحوها، وقيل: إنها لا تخرج من الولاية وإن تزوجت ودخل بها زوجها حتى يشهد العدول على صلاح أمرها، وهو الظاهر من هذه الرواية على ما بيناه، وقيل: إنها تجوز إذا عنست وإن لم تتزوج.
واختلف في حد تعنيسها من الثلاثين سنة ومما دون الثلاثين إلى الخمسين والستين، وهو حد انقطاع المحيض عنها.
فهذه ستة أقوال، ويتخرج فيها قول سابع أيضا وهو أن تجوز أفعالها بمرور سبعة أعوام من دخول زوجها بها.
والمشهور في البكر ذات الأب أنها لا تخرج من ولاية أبيها ولا تجوز أفعالها وإن تزوجت حتى يشهد العدول على صلاح أمرها.
والذي جرى به العمل عندنا أن تكون أفعالها جائزة إذا مرت سبعة أعوام أو نحوها من دخول زوجها بها على رواية منسوبة إلى ابن القاسم، والمشهور في البكر اليتيمة المهملة أن تكون أفعالها جائزة إذا عنست أو مضى لدخول زوجها بها العام ونحوه، وهذا الذي جرى به العمل.
فإن عنست في بيت زوجها جازت أفعالها باتفاق إذا علم رشدها أو جهل حالها، وعلى اختلاف إذا علم سفهها.
وإذا مات الأب فإن عنست في بيت زوجها جازت أفعالها باتفاق إن علم رشدها أو جهل حالها، وردت إن علم سفهها.
هذا الذي أعتقده في هذه المسألة على منهاج قولهم، وبالله التوفيق.

.مسألة ضعيف العقل تزوج فأراد وليه أن يغير ذلك:

من نوازل سحنون قال سحنون، في البكر تعطي زوجها بعض مالها وذلك قبل الدخول بها ليملكها أمرها أو تباريه بشيء من مالها، فقال: إن كان لها أب أو وصي فلا يجوز لها أن تعطيه شيئا من مالها قبل البناء؛ لأنها محجور عليها، ويلزم الزوج الطلاق ويرد عليها ما أخذ منها.
ولو كانت البكر يتيمة وكانت لا أب لها ولا وصي حتى لا تكون محجورا عليها في مالها جاز ذلك للزوج ولم يرد ما أخذ منها؛ لأنها عندي بمنزلة السفيه الذي لا وصي له أن أموره كلها جائزة عليه بياعاته وأشريته وهبته وصدقته ما لم يحجر عليه، فإذا حجر لم يجز شيء مما صنع، لا بيعه ولا شراؤه ولا هبته ولا صدقته ولا أعطايته، فكذلك البكر في عطيتها زوجها ومخالعتها بمالها جائز عليها إن كانت يتيمة ولم تكن محجورا عليها، فإن كان لها أب أو وصي حتى تكون محجورا عليها لم يجز لها شيء مما صنعت وكان مردودا إليها ولزم الزوج الطلاق.
قال سحنون: ومما يدل على ذلك أن مالكا سئل: عن رجل ضعيف العقل تزوج فأراد وليه أن يغير ذلك، قال: إن كان مُوَلَّى عليه لم أر نكاحه جائزا فإن كان غير ذلك فهو جائز.
قال محمد بن رشد: قوله: إن كان لها أب أو وصي فلا يجوز لها أن تعطيه شيئا من مالها قبل البناء- فيه نظر، إذ لا فرق في ذلك بين قبل البناء وبعده في المهملة ولا في ذات الأب والوصي؛ لأن ذات الوصي لا تخرج من ولاية الوصي إلا بإثبات الرشد، وذات الأب لا تخرج من ولاية الأب بنفس البناء دون أن تمضي مدة ما عند أحد من العلماء.
فإن خالعت ذات الوصي زوجها دون إذن الوصي قبل البناء أو بعده رد عليها ما أخذ منها ومضى الطلاق عليه.
وإن خالعت ذات الأب زوجها دون إذن أبيها قبل البناء أو بعده بمدة يسيرة رد عليها ما أخذ منها ومضى الطلاق عليه، وإن كان بعده بمدة كثيرة جرى الأمر على ما ذكرناه من الاختلاف قبل هذا في آخر سماع سحنون.
واختلف فيما حلفت به أو نذرته من صدقة مالها هل يلزمها ذلك إذا ملكت أمر نفسها أم لا؟ على قولين مرويين عن مالك: أحدهما: في سماع ابن القاسم من كتاب النذور، والثاني: في سماعه أيضا من كتاب النكاح، وقد مضى بيان ذلك هنالك.
وأما اليتيمة البكر المهملة دون أب ولا وصي فالمشهور أن خلعها لا يجوز ولا شيء من أفعالها، وهو نص قول أصبغ في نوازله من هذا الكتاب ومن كتاب التخيير والتمليك.
وذهب سحنون هاهنا إلى أن خلعها يجوز وكذلك سائر أفعالها قياسا على السفيه اليتيم الذي لا وصي له.
فعلى قوله تجوز أفعالها وإن كانت سفيهة معلومة السفه، وهو شذوذ من القول لم يتابعه عليه أحد من أصحاب مالك، وأجمع أصحاب مالك كلهم حاشا ابن القاسم على أن أفعال السفيه جائزة إذا لم يكن في ولاية، وقد روى ابن وهب عن مالك أن أفعاله لا تجوز مثل قول ابن القاسم، وبالله التوفيق.

.مسألة أقر على نفسه في مرضه أن لفلان علي جل المائة:

وسئل: عن رجل أقر على نفسه في مرضه أن لِفُلَانٍ عَلَيَّ جُلَّ المائةِ أو عظم المائة أو قرب المائة أو أكثر المائة أو نحو المائة أو شبه المائة أو مائةً إلا قليلا، أو مائة إلا شيئا، فقال: الذي سمعت من أصحابنا ورأيت عليه أكثرهم أن قالوا يعطى المقر له من ثلثي المائة إلى أكثر على قدر ما يرى الحاكم، وقد خالفنا فيه هؤلاء، يعني أهل العراق، وقالوا: يزاد على الخمسين دينارا ودينارين.
قال الإمام القاضي: وهذا كما قال؛ لأن هذه الألفاظ كلها تقتضي بأن له عليه أكثر المائة، فوجب ألا يحط عنه منها إلا أقل من ثلثها؛ لأن الثلث هو آخر حد القليل وأول حد الكثير.
وقول أهل العراق بعيد، إذ لا يقال في واحد وخمسين ولا في اثنين وخمسين إنها جل المائة ولا إنها أكثر المائة ولا إنها مائة إلا شيئا ولا مائة إلا قليلا.
وقد روي عن ابن الماجشون أنه إذا قال له: عندي مائة إلا شيئا- أن الشيء عقد من عقود المائة فما دونها فيعطى تسعين ويجتهد فيما يزاد عليها، وهو قول له وجه.
وهذا كله إنما يحتاج إليه في الميت الذي يتعذر سؤاله عن مراده، وأما المقر الحاضر فيسأل عن تفسير ما أرد بقوله ويصدق في ذلك مع يمينه إن نازعه في ذلك المقر له فادعى أكثر مما أقر له به، وتحقق الدعوى في ذلك.
وأما إن لم تحقق الدعوى فعلى قولين في إيجاب اليمين عليه، وبالله التوفيق.

.مسألة يقول وصي اليتيمة أبا هذه أوصى بها وبمالها إلي فأنا أبرأ إليه من مالها:

وسئل: عن الذي يأتي باليتيمة التي قد بلغت أو باليتيم الذي قد بلغ إلى القاضي فيقول: إن أبا هذا أو أبا هذه أوصى به وبماله إلي وقد بلغ مبلغ الرضا فأنا أبرأ إليه من ماله واكتب لي براءة منه، أترى أن يكتب له منه براءة ولا يعرف أنه وصيه إلا بقوله؟
قال: نعم.
قيل: كيف تكتب له البراءة؟
قال: يكتب إن فلانا أتى بفتى على صفة كذا وكذا وزعم أنه وصيه وزعم أنه يسمى فلانا، أو بامرأة من صفتها كذا وكذا وزعم أنها تسمى كذا فذكر أن أباها أوصى بها إليه وبمالها وأنها قد بلغت مبلغ الأخذ لنفسها والإعطاء منها فسألنا أن نأمره يدفع إليها مالها وأن نكتب له البراءة منه فأمرناه بذلك فدفع ذلك عندنا وهو كذا وكذا، وقد أشهدنا على براءته من المسمى في هذا الكتاب.
قيل: ولا يجوز له أن يكتبها إلا هكذا؟
قال: نعم، لا يجوز له أن يكتبها إلا هكذا.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة على أصولهم وعلى معنى ما في كتاب طلاق السنة من المدونة وعلى ما جاء في آخر سماع أصبغ من كتاب السلطان في مسألة الذي ادعى أن رجلا رهنه قدحا في كساء أن السلطان يأمره ببيع القدح في الكساء على ما زعم أنه عنده رهن به من غير حكم على الغائب، وفي ذلك اختلاف، قد قيل: إنه لا يأمره ببيعه حتى يثبت عنده ارتهانه إياه، وبذلك جرى العمل، وهو على أصل مطرف وابن الماجشون في مسألة كتاب طلاق السنة التي أشرنا إليها، وعلى قياس ذلك لا يلزم القاضي في هذه المسألة أن يأمر الرجل بدفع شيء ولا أن يكتب له براءة بشيء، ويقول له: شأنك في الدفع إليه والإشهاد عليه إلا أن يثبت عنده ما ذكره من أن أباه أوصى به إليه، وقد قيل: إنه لا يكتب له إلا أن يثبت ما ذكره من أن أباه أوصى به إليه وأنه رشيد، وهذا على القول بأن وصي الأب ليس له أن يرشد إلا بأمر السلطان، وقيل: يكتب له إذا ثبت عنده أنه رشيد وإن لم يثبت عنده أنه وصي عليه، فهي أربعة أقوال في المسألة، وبالله التوفيق.